الملخص
ذهب يوسف كعادته إلى محطة الصباح واستقل قطار الذهاب إلى العمل من رصيف مظلم. في البداية، كان يعتقد أن ذلك مجرد روتين يومي مألوف. لكن أثناء الرحلة، أدرك فجأةً أن المنظر الخارجي للنافذة تغير في لحظة، وعندما أنهى النظر، وجد أن اللوحات الإعلانية والأحياء أمام المحطة بدت مختلفة قليلاً عما كانت عليه في العام الماضي.
وبينما كانت الشكوك تتصاعد في نفسه، التقى في يوم من الأيام برجل عجوز غامض داخل القطار نفسه. قال الرجل العجوز بهدوء: "أنت محاصر في فخ الزمن. هذا القطار الذي ينقضي فيه عام كامل مع كل رحلة هو مرآة تعكس الماضي المنسي والمستقبل الذي لم تذكره، وهو أيضاً قفص تُتَيه فيه روحك." عند سماع هذه الكلمات، شعر يوسف بشيء يهتز في أعماق قلبه.
مع كل رحلة، بدأ يشعر بأن ذاكرته ووجوده يتلاشيان شيئاً فشيئاً. ففي داخل القطار، كانت تسمع أصوات ضحك الأطفال باهتة، ومحادثات قديمة خافتة، وقطع من ذكريات بعيدة تجوب ذهنه، مما جعل ماضيه يظهر أمامه بشكل متقطع. في أحد الصباحات، وبينما كان يدخل المحطة، لفت انتباهه ملصق معلق على الجدار يحتوي على صورة لنفسه في شبابه. وكان مكتوباً بجوار الصورة بخط رفيع: "أنت لست سوى سراب من الوجود."
وسط الصدمة والارتباك، قرر يوسف التأكد من الحقيقة واستقل القطار مرة أخرى في وقته المعتاد، منطلقاً نحو رحلته الغامضة. كانت أضواء القطار تتمايل بخفة، ناشرةً جواً غريباً كما لو كانت تجمع بين الماضي والمستقبل. وسرعان ما نادى قائد القطار بصوت هادئ: "سيد يوسف، حان الوقت لإغلاق باب الواقع." في تلك اللحظة، لمح نفسه في نافذة عاكسة. وما رأى كان ظلّاً منهكاً وشاحباً، وكأن ملامحه السابقة قد تبخرت تماماً.
وفي يوم الرحلة الأخير، قرر يوسف النزول عند مخرج القطار بحزم. أمامه، في زاوية مظلمة من المحطة، كان معلقاً ملصق قديم. على الملصق، بجانب ابتسامته الشابة التي فقدت بريقها، كانت الكلمات مكتوبة بخط رفيع: "لم تعش إلا داخل هذا القطار." في تلك اللحظة، أدرك بوضوح أن مع كل عام يُفقد مع رحلاته، كانت روحه تختفي تدريجياً حتى باتت كحلم أبدي لا يُمكن الإمساك به.
ما كان يُعتقد أنه واقع يومي لم يكن سوى وهم، إذ إن قطار الذهاب إلى العمل لم يكن إلا قفصاً لتائه تُسير فيه روحه المفقودة إلى الأبد. ولم يعد في رصيف المحطة أثر من دفء وجوده. ومع انطلاق القطار بضجيج مدوٍ، بدأ شكل يوسف يتلاشى حتى اختفى تماماً. ومنذ ذلك اليوم، أصبح يوسف الراكب الوهمي الذي يعيش في ذاكرة الناس، محاصراً بين فجوات الزمن إلى الأبد.

















































